الشيخ محمد علي الأنصاري

28

الموسوعة الفقهية الميسرة

وللإمام أن يعفو عنه » « 1 » . وبمثله قال القاضي ابن البراج « 1 » ، والعلّامة في المنتهى « 2 » والقواعد « 3 » ولم يعلّق عليه ولده فخر الدين في الإيضاح « 4 » ، ولا المحقّق الثاني في جامع المقاصد « 5 » . ومع ذلك ، فقد ورد : أنّ الإمام الحسن عليه السّلام قتل جاسوسين لمعاوية « 6 » ، وروي عن أهل البيت عليهم السّلام : « أنّ الجاسوس والعين يقتلان » « 7 » . هذا إذا كان الجاسوس مسلما ، أمّا إذا كان ذمّيا ، فإن قلنا بخروجه عن الذمّة بالتجسّس ، جرى عليه حكم الحربي ، وإن قلنا لا يخرج إلّا مع الاشتراط ، وكان مشترطا معه عدم التجسّس فكذلك ، وإن لم يكن مشترطا ، فهو باق على أمانه ، ولا يبعد أن تكون عقوبته كالمسلم . وأمّا الحربي ، فالظاهر أنّ عقوبة تجسّسه القتل ؛ لأنّه مهدور الدم . وفي سنن أبي داود : أنّ النبي صلّى اللّه عليه وآله أمر بقتل جاسوس من المشركين « 8 » .

--> ( 1 ) المبسوط 2 : 15 . وأمّا قضية حاطب ، فقد ذكرها الفريقان ، وحاصلها : أنّ امرأة من أهل مكّة جاءت إلى النبي صلّى اللّه عليه وآله تطلب منه المعونة ، فكساها بنو عبد المطلب بحثّ من النبي صلّى اللّه عليه وآله وأعطوها نفقتها ، فجاءها حاطب وأعطاها عشرة دراهم أو دنانير وكساها ، وأنفذ معها كتابا إلى أهل مكة يخبرهم فيه باستعداد النبي صلّى اللّه عليه وآله لفتح مكة ، فأخبر جبرئيل النبي صلّى اللّه عليه وآله بذلك ، فأرسل النبي صلّى اللّه عليه وآله عليّا وعمّارا وعمر والزبير وطلحة والمقداد وأبا مرثد ، ودلّاهم على مكانها في الطريق - وهو روضة خاخ - وأمرهم بأخذ الكتاب منها ، فلمّا وصلوا إليها طلبوا منها الكتاب ، فحلفت بالله ما معها كتاب ، فنحوّها عن متاعها وفتشوه ، فما وجدوه ، فهمّوا بالرجوع ، فقال علي عليه السّلام : واللّه ما كذبنا ولا كذّبنا ، وسلّ سيفه وقال لها : أخرجي الكتاب وإلّا واللّه لأضربن عنقك ، فلمّا رأت الجدّ أخرجته من ذؤابتها ، فجاؤوا بالكتاب إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله فأرسل إلى حاطب وقال له : فما حملك على ما صنعت ؟ فقال : يا رسول اللّه واللّه ما كفرت منذ أسلمت ، ولا غششتك منذ نصحتك ، ولا أحببتهم منذ فارقتهم ، ولكن لم يكن أحد من المهاجرين إلّا وله بمكة من يمنعه عشيرته ، فكنت عزيزا فيهم - أي غريبا - وكان أهلي بين ظهرانيهم ، فخشيت على أهلي ، فأردت أن أتّخذ عندهم يدا ، وقد علمت أنّ اللّه ينزل بهم بأسه ، وأنّ كتابي لا يغني عنهم شيئا ، فصدّقه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ، وعذّره ، فقام عمر بن الخطاب ، فقال : دعني يا رسول اللّه أضرب عنق هذا المنافق ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : وما يدريك يا عمر لعلّ اللّه اطلع على أهل بدر فغفر لهم . . . » مجمع البيان 9 : 269 - 270 . وانظر صحيح البخاري 3 : 59 ، باب غزوة فتح ، وصحيح مسلم 4 : 1941 ، كتاب الفضائل ، باب من فضائل أهل بدر ، تسلسل 2494 . أقول : الرواية صريحة في أنّ النبي صلّى اللّه عليه وآله صدّق حاطب في نيّته وعذّره في فعله ، ولذلك لا تدلّ الرواية على أنّ القتل ليس عقوبة للجاسوس ! ! لأنّ عدم القتل إنّما كان لعدم تحقق موضوع التجسّس عندئذ . 1 انظر جواهر الفقه : 51 . 2 انظر المنتهى 14 : 409 . 3 انظر القواعد 1 : 505 . 4 انظر إيضاح الفوائد 1 : 379 . 5 انظر جامع المقاصد 3 : 437 . 6 انظر الإرشاد ( للمفيد ) 2 : 9 . 7 انظر دعائم الإسلام 1 : 398 . 8 سنن أبي داود 2 : 398 ، كتاب الجهاد ، باب في الجاسوس المستأمن ، الحديث 2653 و 2654 .